غيمة ملونة

محمود درويش

(2) مشاهدة


وأَنا أَغسل الصحون ،
أمتلئ بفراغ منعش وأَملأ الوقت بفقاعات الصابون .
لماء الحنفيَّة إيقاعٌ يفتقر إلى آلة موسيقية.
أُصاحبه بصفير متقطّع ،
و بمقطع من أغنية شائعة لا شخصية لها .
أَلهو بالرغوة الشبيهة بغيمة تلمع فيها ألوانٌ موسميَّةٌ وتنطفئ .
أُمْسِك الغيمةَ بيديّ و أوزِّعها على الصحون والكؤوس والفناجين والملاعق
و السكاكين .
تَنْتَفِخُ الغيمة كُلَّما سالت عليها قطراتُ الماء.
أحفِنها وأُطيِّرها في الهواء فتضحك لي،
و أزداد امتلاء بفراغي .
لا أفكِّر بشيء كأني ظهيرة لا مبالية.
لكن صُوَر ذكريات محايدة تهبط من مكان بعيد إلى حوض الماء ،
ذكريات لا تجرح و لا تفرح ،
كنزهة في حرش صنوبر،
أو كانتظار حافلة تحت المطر،
فأغسلها بحرصِ مَنْ يحمل إناء من بلّور أدبي .
و حين أتأكد من أنها لم تنكسر تعود سالمةً إلى مصادرها الأولى في حرش صنوبر،
و أبقى هنا.
أَلهو برغوة الصابون ،
و أسهو عمَّا ليس موجوداً.
أنظر برضا إلى ذهني الصافي كزجاج المطبخ ،
و إلى خُلُوِّ قلبي من الشوائب كصحن مغسول بعناية.
و حين أحسّ بأني امتلأت تماماً بالفراغ المنعش،
أملأ الفراغ بكلمات لا تخصّ أحداً سواي :
بهذه الكلمات!

تصحيح الكلمات